الكلام النفسي - نفي الكلام النفسي - أدلة الأشاعرة على الكلام النفسي

 

- البيان في تفسير القرآن- السيد الخوئي ص 406 : -

الكلام النفسي :

اتفقت الاشاعرة على وجود نوع آخر من الكلام غير النوع اللفظي المعروف وقد سموه بالكلام النفسي ، ثم اختلفوا فذهب فريق منهم إلى أنه مدلول الكلام

 

-  ص 407 -

اللفظي ومعناه ، وذهب آخرون إلى أنه مغاير لمدلول اللفظ ، وأن دلالة اللفظ عليه دلالة غير وضعية ، فهي من قبيل دلالة الافعال الاختيارية على إرادة الفاعل وعلمه وحياته . والمعروف بينهم اختصاص القدم بالكلام ، إلا أن الفاضل القوشجي نسب إلى بعضهم القول بقدم جلد القرآن وغلافه أيضا ( 1 ) .


وقد عرفت أن غير الاشاعرة متفقون على حدوث القرآن ، وعلى أن كلام الله اللفظي ككلماته التكوينية مخلوق له ، وآية من آياته . ولا يترتب على الكلام في هذه المسألة وتحقيق القول فيها غرض مهم ، لانها خارجة عن أصول الدين وفروعه ،

وليست لها أية صلة بالمسائل الدينية ، والمعارف الالهية ، غير أنني أحببت التكلم فيها ليتضح لاخواننا الاشاعرة - وهم أكثر المسلمين عددا - أن ما ذهبوا إليه واعتقدوا به وحسبوه مما يجب الاعتقاد به أمر خيالي لا أساس له من العقل والشرع .


وتوضيح ذلك : أنه لا خلاف في أن الكلام المؤلف من الحروف الهجائية المتدرجة في الوجود أمر حادث يستحيل اتصاف الله تعالى به في الازل وغير الازل .


والخلاف إنما هو في وجود سنخ آخر من الكلام مجتمعة أجزاؤه وجودا ، فأثبتته الاشاعرة وقالت بأنه من صفات الله الذاتية كما يتصف غيره به أيضا . ونفاه غيرهم وحصروا الكلام في اللفظي ، وقالوا : إن قيامه بالمتكلم قيام الفعل بالفاعل والصحيح هو القول الثاني .

ودليلنا على ذلك :

أن الجمل : إما خبرية وإما إنشائية .

أما الجمل الخبرية ، فإنا إذا فحصنا مواردها لن نجد فيها إلا تسعة أمور ، وهي التي لا بد منها في الاخبار عن ثبوت شئ لشئ أو عدم ثبوته له :

 

( 1 ) شرح التجريد : المقصد الثالث ص 354 ( * )

 

 

-  ص 408 -

أولا - مفردات الجملة بموادها ، وهيئاتها .
ثانيا - معاني المفردات ، ومداليلها .
ثالثا - الهيئة التركيبية للجملة .
رابعا - ما تدل عليه الهيئة التركيبية .
خامسا - تصور المخبر مادة الجملة ، وهيئتها .
سادسا - تصور مدلول الجملة بمادتها ، وهيئتها .
سابعا - مطابقة النسبة لما في الخارج ، أو عدم مطابقتها له
ثامنا - علم المخبر بالمطابقة ، أو بعدمها ، أو شكه فيها .
تاسعا - إرادة المتكلم لايجاد الجملة في الخارج مسبوقة بمقدماتها .

 

وقد اعترفت الاشاعرة بأن الكلام النفسي ليس شيئا من الامور المذكورة وعلى هذا فلا يبقى للكلام النفسي عين ولا أثر ، أما مفاد الجملة فلا يمكن أن يكون هو الكلام النفسي، لان مفاد الجملة الخبرية - على ما هو المعروف - ثبوت شئ لشئ أو سلبه

عنه، وعلى ما هو التحقيق - عندنا - هو قصد الحكاية عن عن الثبوت أو السلب ، فقد أثبتنا أن الهيئة التركيبية للجملة الخبرية بمقتضى وضعها أمارة على قصد المتكلم للحكاية عن النسبة ، وشأنها في ذلك شأن ما سوى الالفاظ من الامارات الجعلية .


وقد حققنا : أن الوضع هو التعهد بجعل لفظ خاص أو هيئة خاصة مبرزا لقصد تفهيم أمر تعلق غرض المتكلم بتفهيمه ، وقد أوضحنا ذلك كله في محله ( 1 ) هذا هو مفاد الجملة الخبرية ، والكلام النفسي - عند القائل به - موجود نفساني من سنخ الكلام مغاير للنسبة الخارجية ولقصد الحكاية .

 

( 1 ) في كتابنا " أجود التقريرات " في الاصول ، المطبوع مع تعليقاتنا . ( * )

 

 

-  ص 409 -

وأما الجمل الانشائية فهي كالجمل الخبرية ، والفارق بينهما أن الجمل الانشائية ليس في مواردها خارج تطابقه النسبة الكلامية أو لا تطابقه وعليه فالامور التي لا بد منها في الجمل الانشائية سبعة ، وهي بذاتها الامور التسعة التي ذكرناها في الجمل الخبرية ما عدا السابع والثامن منها ، وقد علمت أن الكلام النفسي عند القائلين به ليس واحدا منها .


ولعل سائلا يقول : ما هو مفاد هيئة الجملة الانشائية ؟ .

المعروف بين العلماء أنها موضوعة لايجاد معنى من المعاني نحو إيجاد مناسب لعالم الانشاء، وقد تكرر في كلمات كثير منهم أن الانشاء إيجاد المعنى باللفظ ، وقد ذكرنا في مباحثنا الاصولية أنه لا أصل للوجود الانشائي ، واللفظ والمعنى وإن كانت

لهما وحدة عرضية منشأها ما بينهما من الربط الناشئ من الوضع ، فوجود اللفظ وجود له بالذات ووجود للمعنى بالعرض والمجاز ، ومن أجل ذلك يسري حسن المعنى أو قبحه إلى اللفظ ، وبهذا المعنى يصح أن يقال : وجد المعنى باللفظ وجودا لفظيا ، إلا أن هذا لا يختص بالجمل الانشائية ، بل يعم الجمل الخبرية والمفردات أيضا .


أما وجود المعنى بغير وجوده اللفظي فينحصر في نحوين ، وكلاهما لا مدخل للفظ فيه أبدا :

أحدهما : وجوده الحقيقي الذي يظهر به في نظام الوجود من الجواهر والاعراض ، ولا بد في تحقيق هذا الوجود من تحقق أسبابه وعلله ، والالفاظ أجنبية عنها بالضرورة .


ثانيهما : وجوده الاعتباري، وهو نحو من الوجود للشئ إلا أنه في عالم الاعتبار لا في الخارج، وتحقق هذا النحو من الوجود إنما هو باعتبار من بيده الاعتبار ، واعتبار كل معتبر قائم بنفسه ، ويصدر منه بالمباشرة ، ولا يتوقف على وجود لفظ في

الخارج أبدا ، أما إمضاء الشارع أو إمضاء العقلاء للعقود أو الايقاعات الصادرة من الناس ، فهو وإن توقف على صدور لفظ من المنشئ أو

-  ص 410 -

ما بحكم اللفظ ، ولا أثر لاعتباره إذا تجرد عن المبرز من قول أو فعل ، إلا أن الامضاء المذكور متوقف على صدور لفظ قصد به الانشاء ، وموضع البحث هو مفاد ذلك اللفظ الذي جئ به في المرحلة السابقة على الامضاء .


وعلى الجملة : إن الوجود الحقيقي والاعتباري للشئ لا يتوقفان على اللفظ ، وإما إمضاء الشرع أو العقلاء للوجود الاعتباري فهو وإن توقف على صدور لفظ أو ما بحكمه من المنشئ ، إلا أنه يتوقف عليه بما هو لفظ مستعمل في معناه ، وأما الوجود اللفظي فهو عام لكل معنى دل عليه باللفظ ، فلا أساس للقول المعروف : " الانشاء إيجاد المعنى باللفظ " .


والصحيح : إن الهيئات الانشائية وضعت لابراز أمر ما من الامور النفسانية وهذا الامر النفساني قد يكون اعتبارا من الاعتبارات كما في الامر والنهي والعقود والايقاعات ، وقد يكون صفة من الصفات ، كما في التمني والترجي ، فهيئات الجمل أمارات على أمر ما من الامور النفسانية وهو في الجمل الخبرية قصد الحكاية ، وفي الجمل الانشائية أمر آخر .


ثم إن الاتيان بالجملة المبرزة - بوضعها - لامر نفساني قد يكون بداعي إبراز ذلك الامر ، وقد يكون بداع آخر سواه ، وفي كون الاستعمال في هذا القسم الاخير مجازا أو حقيقة كلام ليس هنا محل ذكره ، وللاطلاع على تفصيل الكلام في ذلك يراجع تعليقاتنا الاصولية .


والذي يظهر من موارد استعمال لفظ الطلب : أنه موضوع للتصدي لتحصيل شئ ما ، فلا يقال : طلب الضالة ، ولا طلب الاخرة ، إلا عند التصدي لتحصيلهما ، وفي لسان العرب " الطلب محاولة وجدان الشئ وأخذه " ، وبهذا الاعتبار يصدق

على الامر أنه طالب ، لانه يحاول وجدان الفعل المأمور به ، فإن الامر هو الذي يدعو المأمور إلى الاتيان بمتعلقه ، وهو بنفسه مصداق للطلب ، لا أن الامر لفظ والطلب معناه فلا أساس للقول بأن الامر موضوع للطلب ، ولا للقول بأن الطلب كلام نفسي يدل عليه الكلام اللفظي .

-  ص 411 -

وقد أصابت الاشاعرة في قولهم : " إن الطلب غير الارادة " ولكنهم أخطأوا في جعله صفة نفسية ، وفي جعله مدلولا عليه بالكلام اللفظي .


نفي الكلام النفسي :

ومن جميع ما ذكرناه يستبين القارئ : أنه ليس في موارد الجمل الخبرية ولا الانشائية ما يكون من سنخ الكالم قائما بالنفس ، ليسمى بالكلام النفسي ، نعم لا بد للمتكلم من أن يتصور كلامه قبل إيجاده ، والتصور وجود في النفس يسمونه بالوجود

الذهني ، فإن أراد القائلون بالكلام النفسي هذا النحو من الوجود للكلام في النفس فهو صحيح ، ولكنك تعلم أنه غير مختص بالكلام ، بل يعم كل فعل اختياري ، والكلام إنما لزم تصوره لانه فعل اختياري للمتكلم .


أدلة الاشاعرة على الكلام النفسي :

استدل القائلون بالكلام النفسي على مدعاهم بوجوه :

الاول : أن كل متكلم يرتب الكلام في نفسه قبل أن يتكلم به، والموجود في الخارج من الكلام يكشف عن وجود مثله في النفس ، وهذا وجداني يجده كل متكلم في نفسه، واليه أشار الاخطل بقوله : إن الكلام لفي الفؤاد وإنما جعل اللسان على الفؤاد دليلا

وجوابه قد تقدم : فإن تركيب الكلام في النفس هو تصوره وإحضاره فيها ، وهو الوجود الذهني الذي يعم الافعال الاختيارية كافة ، فالكاتب والنقاش لا بد لهما من أن يتصورا عملهما أولا قبل أن يوجداه ، فلا صلة لهذا بالكلام النفسي .


الثاني : أنه يطلق الكلام على الموجود منه في النفس ، وإطلاقه عليه صحيح بلا عناية ، فيقول القائل : إن في نفسي كلاما لا اريد أن أبديه ، وقد قال الله عز اسمه :

-  ص 412 -

" وأسروا قولكم أو اجهروا به إنه عليم بذات الصدور 67 : 13 " .

وجوابه يظهر مما تقدم : فإن الكلام كلام في وجوده الذهني ، كما هو كلام في وجوده الخارجي ولكل شئ نحوان من الوجود : خارجي وذهني ، والشئ هو ذلك الشئ في كلا وجوديه ، وإطلاق الاسم عليه بلا عناية . ولا يختص هذا بالكلام ، فيقول المهندس : إن في نفسي صورة بناء سأنقشها في خارطة ، ويقول المتعبد : إن في نفسي أن أصوم غدا .


الثالث : أنه يصح إطلاق المتكلم على الله ، وهذا الهيئة اسم الفاعل وضعت لافادة قيام المبدأ بالذات قياما وصفيا . ولذا لا يطلق المتحرك والساكن والنائم إلا على من تلبس بالحركة والسكون والنوم ، دون من أوجدها .


وواضح أن الكلام اللفظي لا يمكن أن يتصف به الله تعالى ، لا ستحالة اتصاف القديم بالصفة الحادثة ، فلا مناص من الالتزام بالكلام القديم ، ليصح إطلاق المتكلم على الله سبحانه باعتبار اتصافه به .


وجوابه : أن المبدأ في صيغة المتكلم ليس هو الكلام ، فإنه غير قائم بالمتكلم قيام الصفة بموصوفها حتى في غير الله ، فإن الكلام كيفية عارضة للصوت الحاصل من تموج الهواء ، وهو أمر قائم بالهواء لا بالمتكلم ، والمبدأ في الصيغة المذكورة هو التكلم ، ولا نعقل له معنى غير إيجاد الكلام ، فإطلاقه على الله وعلى غيره بمعنى واحد .


وأما قول المستدل : " إن هيئة اسم الفاعل وضعت لافادة قيام المبدأ بالذات قيام الوصف بالموصوف " فهو غلط بين ، فان الهيئة إنما تفيد قيام المبدأ بالذات

-  ص 413 -

نحوا من القيام .

أما خصوصيات القيام من كونها إيجادية أو حلولية أو غيرهما فهي غير مأخوذة في مفاد الهيئة وهي تختلف باختلاف الموارد ، ولا تدخل تحت ضابط كلي ، فالعالم والنائم مثلا لا يطلقان على موجد العلم والنوم ، لكن القابض والباسط والنافع والضار

تطلق على موجد هذه المبادئ ، وعليه فعدم صحة إطلاق المتحرك على موجد الحركة لا يستلزم عدم صحة إطلاق المتكلم على موجد الكلام .

وحاصل ما تقدم : أن الكلام النفسي أمر خيالي بحت لا دليل على وجوده من وجدان أو برهان .

ومن المناسب أن نختم الكلام بما ذكره الامام أبو عبد الله جععر بن محمد الصادق عليه السلام في هذا الموضوع ، فقد روى الشيخ الكليني بإسناده عن أبي بصير قال : " سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول : لم يزل الله عز وجل ربنا ، والعلم ذاته

ولا معلوم ، والسمع ذاته ولا مسموع ، والبصر ذاته ولا مبصر ، والقدرة ذاته ولا مقدور . فلما أحدث الاشياء وكان المعلوم وقع العلم منه على المعلوم ، والسمع على المسموع ، والبصر على المبصر والقدرة على المقدور . قال : قلت : فلم يزل الله

متحركا ؟ قال : فقال : تعالى الله عن ذلك ، إن الحركة صفة محدثة بالفعل . قال : فقلت : فلم يزل الله متكلما ؟ قال : فقال : إن الكلام صفة محدثة ليست بأزلية ، كان الله عز وجل ولا متكلم " ( 1 ) .

 

( 1 ) اصول الكافي باب صفات الذات ص 51 . ( * )

 

 

 

شبكة القرآن الكريم

الصفحة التالية

الصفحة السابقة

فهرس الكتاب